موقع ومنتديات قبيلة العصمة الشاملة YOU COULD PUT BANNER/TEXT/HTML HERE, OR JUST REMOVE ME, I AM IN header.htm TEMPLATE

جديد المقالات
جديد الجوال
جديد الفيديو




المتواجدون الآن


تغذيات RSS

07-19-2008 12:37 AM

شرعتُ في تشكيلِ الوجهِ قبيلَ الفجرِ، متجاهلاً أن الشمسَ ستطلعُ بعد ساعة. لو كنتُ انتظرتُ إلى أن ينفجرَ الصباحُ على سطحِ المنزلِ، لربما قُدِّرَ للشكلِ أن تكتملَ فيه الملامحُ والتفاصيلُ التي لا تكونُ إلا في النهار. وكان ذلك سيكون ملائماً تماماً لإظهار الصورة بكل بشاعتها الظاهرة للعيان ، لولا أني لم أكن أريد من الأساس أن تشرق الشمس قبل أن أنهيها في الظلمة أولا. كنت أعيشها في الظلمة. في أشد ما تكون العتمة في داخلي، كما في قلب الليل. وتصورت أن ذلك سيساعدني على استحضار كامل طاقتي للشروع في رسم الوجه من الداخل كما من الظاهر أيضا.

سوى ذلك ، من يفكر في الرسم، في الظلمة الدامسة؟

لكن للمرء المتباهي بأصدقائه مثلاً، أن يفكر فيهم على سطح مثل هذا السطح وفي وقت كهذا الوقت.. بسذاجة كبيرة، يمكنه أن يتخيل صديقاً في مكان معتم ليضيء المكان. غير أن السطح المعتم لا يضيء أبداً بوجه صديق نتذكره. يضيء الصديق بوجهه فحسب، ولكن في داخلنا كلما تذكرناه. وعندما تحضر الشمس إلى السطح وتجلس على البلاط أمام الوجه الذي رسمناه لأننا لم نقف عند حد تذكره فقط، عندها يستطيع الوجه أن يتحاشى نزول الحمام المفاجئ، وأن يحدق في سماء الصباح مندهشا. عندها يمكنني أن اقرأ في ملامحه قصتي التي عشتها معه في الماضي، والتي تذكرتها فيه وأنا أرسمه في الظلمة.

لكن السطح أغواني بأكثر من ذلك. أن أشرع فوراً في تشكيل وجه صديق قديم انقطعت عني أخباره منذ سنوات. قبل عامين جاء خبر عن وباء غامض تفشى في أحدهم بالمنطقة الوسطى، فتظاهرت أمام نفسي بأنه صديقي. وقبلها بعام رأيته في النوم يعصر عنباً في الطائف، ويأكل من بستان أخضر. لم أكن أحب ذلك الصديق كثيرا، بل كنت أمقته في سري، واحتقر طريقته في النظر إلى العالم، وفي امتصاص أشهى ما في الحياة بدون شعور بالامتنان. كان يظن أن العالم سيصبح أفضل، إذا ما أقدم هو على امتلاكه مع بقية ما يملك من عقار، ومؤسسات تجارية، وشركات استيراد وتصدير عديدة.

غير أن أهم شيء في صديقي ذاك، كان وجهه الذي لا ينسى أبدا. قف أمامه مباشرة لترى من أنت. هذا ما قاله لي صديق له عندما عرفني إليه، وهجره بعد ذلك. في تلك الليلة المظلمة، تذكرته على نحو لم أستطع معه النوم. كان السطح معتما، وغارقاً في الصمت مثل لسان مقطوع. قلبت بلاطة على ظهرها لأحدث ضجيجاً في الحي. لأنشغل عن تذكر المزيد عن الوجه بافتعال أزمة أخلاق مع جارتي العجوز التي تعاني من الأرق.

في الشارع، هناك الكثير من الأخلاق التي أهملها الكناسون وتركوها تتسكع في الظلام، أو تتدحرج تحت أرجل القطط. صدقت نباح الكلاب، لأن القبيح لم يعد فقط، الشغل الشاغل لمن يظنون أنهم فضلاء الحي وحدهم في هذه البلدة. لكن أحداَ، لا جارتي العجوز، ولا من يتسكع في الشارع، انتبه لما فعلت بالبلاطة الثانية التي كسرتها على أختها بغضب. خرج تراب كثير من البلاطتين وانعقد كقبضة يدٍ في السطح.

لا أدري لم كان علي أن ألبس شماغي وأنا أشرع في رسم الوجه. خطر لي فقط، أن أساوي رأسي برأس صديقي الذي كان يلبسها على الدوام. كان يحب الشماغ، لأنها تشعره بالتميز في المناسبات وتذكره بعراقة نسبه، كما قال قبل أن يختفي. صببت قليلاً من الماء على القبضة الترابية حتى هدأت وابتلعت مع الماء عدوانيتها وشراستها ضدي. ثم فردتها بيدي على السطح كالعجينة. ذررت عليها القليل من الاسمنت. وتمنيت لحظتها أن يداهمني نوم ثقيل لأكف عن الرسم. كنت أريد أن تنزلق يدي لتبني مجسماً صغيراً لجمل هزيل ومضطهد، على أن أرسم وجه صديقي. بيد أنني تيقنت أن أمامي دقائق قليلة لأنتهي من الرسم أو أن أرمي بنفسي من السطح لأرتاح من ضغط الدم المؤلم في رأسي، ومن الصداع الحاد الذي كان يهدأ عندما أفكر في أية طريقة أفترض بواسطتها موتاً عنيفاً لذلك الصديق، وكأن معنى ذلك أن أتخلص منه بقتله في داخلي وأنا أرسمه.

كنت أفكر برأسه فقط. كنت أدقق، وأنا أرسم وجهه، في الملامح الشيطانية الكاشفة التي أحفظها عنه. يمكنني وصفه بالشيطان ذاته. لكن ما الفائدة من ترديد هذه الكلمة، في كل مرة، وأنا أعرف أنني مهما أوتيت من عظمة في فن الرسم فلن أستطيع رسمه بالصورة التي أحفظها له في ذاكرتي. كنت ما أن أحدق فيه، عندما التقيه، حتى أرى كل شيء فظيع يخصني في حياتي، ينطبع على وجهه. وفيما كان هو يحدثني عن خالته المهووسة بالزواج من أي رجل فاسد يأتيها من العائلة، كنت أغرق أنا في فضائحي الصبيانية على وجهه. تباً له، كان يقول عن موظف الإحصاء السكاني، الذي يزعم أنه جاءه منتصف الليل، بلا أوراق ولا بيانات رسمية، ليتأكد من أن عدد أخوته خمسة وليس سبعة! كنت أظنه يقصدني بالكلمة لأن عيني كانتا في تلك اللحظة تتابعان في وجهه، عملية تمزيق لأوراق رسمية كنت قد خالفت القانون في وظيفتي ومزقتها لئلا يقع أحد أصدقائي في قبضة العدالة متلبساً بجريمة يستحق فاعلها السجن مدى الحياة. ثم، وبينما هو يسأل بغضب عن السبب الحقيقي في رفع أسعار البنزين، كنت أنا أتحاشى النظر إلى قضية فساد إداري ونهب أموال قمت بها و طردت بسببها من عملي.

في الوجه، وأنا أرسمه بتركيز شديد، ظهر لي كم كان صديقي ورطة حقيقية حتى في رسم وجهه. لم أتمكن من رفع يدي لأنظر في الظلام إلى أصابعي، وكم يكفي منها لأزيح عن رأسي جلبة الطرقات القوية التي كانت تصعد إلي قادمة من الباب. عندما وصلت إلى دائرة الفم، وجدتني أصرخ من الدهشة، لأن الضربة التي وجهتها له بالمطرقة الحديدية أتت على كل الأسنان الموجودة في فيه. اغتبطت، لأني رسمت الفم بالضبط كما أصبح عليه بعد الضربة. كان أكثر ما يشد اهتمامي، وهو يتحدث، أن أسنانه كانت تفكر في تقطيع أوصال اللحم وتمزيقه ، وعندما تشرع فيه، كان لسانه يمطرني بالحديث عن المتعة الكبيرة التي تمنحها لأسنانه الموائد المثقلة بالأطعمة والأشربة الحلال والحرام. رغم ذلك، كانت أسنانه تأخذ لبي بلمعان صاف لم أر مثله في أي قالب ثلج رأيته في حياتي. كانت بيضاء وناصعة للغاية، لكنها كانت حادة ومسنونة إلى درجة أن المرء لا يملك عندما يراها إلا أن يتذكر أسنان القروش أو التماسيح. ليس من داع لأن اسأل نفسي لماذا انحرفت المطرقة عن الصدغ واتجهت فوراُ إلى الفم. الأمر واضح للغاية، كما تخيلت آنذاك. لأنني بينما كنت أرسمه، كانت فكرة أن أتخلص منه أثناء الرسم تنمو وتكبر مع حركة يدي المستغرقة في تشكيل غضون الوجه وانتفاخ الجفنين وانهيار نصف حاجبه الأيسر على عينه. رسمت الفم داخلاُ في حلقه ، لأن الخطة كانت تقتضي أن أجعله يبتلع فمه وأسنانه بدلاً من أن يبتلعني أنا. هكذا صورت الفم بحسب الخطة ،وكأنني بالقدر الذي افترضت فيه موته، كنت أحيل طريقة الخلاص منه إلى نفس ما حدث في الواقع. بقدر ما تكون الصورة منجزة على النحو المطلوب تكون فكرة الخلاص أكثر واقعية. لا نستطيع أن ننتزع من رؤوسنا وجوهاً على هذه الشاكلة، دون أن نضع لها بالرسم يقيناً تلوذ به وتتماهى فيه. الوجه الذي يألف الرسم ويرضى فيه بمنحنا تفاصيله وخطوطه الدقيقة، يفترض ألا نعرضه لامتحان المطابقة لأن القرار لم يعد بأيدينا، بل أصبح من حق الوجه، وعليه سيكون دورنا هو تأمل الوجه بصمت معترفين بقوة تأثيره علينا.

وفي الواقع، لم أكن أقصده شخصياً عندما اضطرب كياني، واجتاحتني نوبة رعب شديدة، فوجدتني أهوي بالمطرقة عليه ذلك المساء . كنت مرعوباً للغاية تلك الليلة. كنت أنا وهو في استراحة نائية نتناول كوبين من الشاي لوحدنا، متسائلاً بقلق عما إذا كنت أستطيع أن أصمد أمام وجهه هذه المرة؟ لكن الذي حدث هو أنني ضعت في نفسي، وضربتني عاصفة شك مجنونة في ذاتي. كنت أراني، بلا أمل في ربط أضلاعي إلى قفصي الصدري، أتبدد من الرعب أمام ما رأيته في وجهه تلك اللحظة المشئومة. بوضوح شديد، وكما حدث في الرسم، رأيت في وجهه ليلتذاك، أنني أقدم له دمي ولحمي وعظامي ليأكل مني ويشرب، فيما هو يحدثني عن السعادة الغامرة التي يشعر بها إزائي لكوني لم أعترض على رغبته في التهامي. كانت أسنانه تقطعني عضواً عضواً وأنا بلا حراك ولا صراخ أنتظر فراغه مني. هكذا رأيتني ذلك المساء البعيد. ماذا كنت سأفعل لأنقذ نفسي أفضل مما فعلت؟ عندما عجز عن التهام العالم قرر أن يلتهم صديقه وكأن المرات الكثيرة التي نهب فيها أموالي من جيبي بدون أذني لا تكفي . وكأن السنوات التي قضيتها معه صديقاً وخادماً وحارساً ومتعهد حفلات ليست إلا لحظة واحدة تمثلت في لحظة أن قرر أكلي. هنا، ولكي أضع الأمور في مسارها الصحيح، لويت رأسي بفكرة الخلاص منه، وأنا مستغرق في رسم فمه الواسع، وافترضت أن هذا هو الوقت المناسب لأصدق وأقتنع بأنني عندما ضربته بالمطرقة، إنما كنت أضرب الصورة فحسب. كنت أضرب صورتي وهو يلتهمني بتلذذ وشغف كبيرين. لم أكن أدري لحظتها أن محو الصورة سيترتب عليه أن يموت هو. كنت فحسب أنقذ نفسي منه لئلا تتحول الصورة إلى حقيقة فأجدني أتمزق تحت أسنانه. حتى عندما وصلت في الرسم إلى الدائرة الضيقة التي تنتهي بها ذقنه المدببة، رأيتني أتجاهل الطرقات الشديدة التي انهالت على باب منزلي، وأمعن في ربط فكه السفلي وشده إلى بقية الوجه بخيط من الاسمنت الطري. لم أشك في أن ثمة من أقلقه صنيعي في السطح فاتصل بالشرطة في هذا الوقت، لكن الرسمة في الظلمة كانت قد أنجزت. كانت باهرة المعالم، ودقيقة للغاية في إيضاح ما حدث لها مني، وما حدث لي مع صديقي على أرض الواقع. نزلت إلى أسفل. فتحت الباب بهدوء. كنت موقناً، أن وجه صديقي في السطح سينتظر طويلاً، وسيقال عنه الكثير، قبل أن يفصل عن المكان ويؤخذ إلى مكان آخر لدراسته أو يرمى في الشارع

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 70



خدمات المحتوى


عواض بن شاهر العصيمي
تقييم
8.00/10 (8 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات قبيلة العصمة الشاملة